فخر الدين الرازي
92
تفسير الرازي
لهي الحيوان ) * فنقول لما كان الحال هناك حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى رادع قوي فقال الآخرة خير ، ولما كان ههنا الحال حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى رادع قوي فقال لا حياة إلا حياة الآخرة ، وهذا كما أن العاقل إذا عرض عليه شيئان فقال في أحدهما هذا خير من ذلك يكون هذا ترجيحاً فحسب ، ولو قال هذا جيد وهذا الآخر ليس بشيء يكون ترجيحاً مع المبالغة فكذلك ههنا بالغ لكون المكلف متوغلاً فيها . المسألة الخامسة : قال هناك : * ( خير للذين يتقون ) * ( الأعراف : 169 ) ولم يقل ههنا إلا لهي الحيوان ، لأن الآخرة خير للمتقي فحسب أي المتقي عن الشرك ، وأما الكافر فالدنيا جنته فهي خير له من الآخرة ، وأما كون الآخرة باقية فيها الحياة الدائمة فلا يختص بقوم دون قوم . المسألة السادسة : كيف أطلق الحيوان على الدار الآخرة مع أن الحيوان نام مدرك ؟ فنقول الحيوان مصدر حي كالحياة لكن فيها مبالغة ليست في الحياة والمراد بالدار الآخرة هي الحياة الثانية ، فكأنه قال الحياة الثانية هي الحياة المعتبرة أو نقول لما كانت الآخرة فيها الزيادة والنمو كما قال تعالى : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) وكانت هي محل الإدراك التام الحق كما قال تعالى : * ( يوم تبلى السرائر ) * ( الطارق : 9 ) أطلق عليها الاسم المستعمل في النامي المدرك . المسألة السابعة : قال في سورة الأنعام : * ( أفلا تعقلون ) * ( البقرة : 76 ) وقال ههنا : * ( لو كانوا يعلمون ) * وذلك لأن المثبت هناك كون الآخرة خيراً وأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت ههنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة ، وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع . * ( فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) * . إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا ، وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا ، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا . * ( لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون ) * وفيه وجهان أحدهما : أن اللام لام كي ، أي يشركون ليكون إشراكهم كفراً بنعمة الإنجاء ، وليتمتعوا بسبب الشرك فسوف يعلمون بوبال عملهم حين زوال أملهم والثاني : : أن تكون اللام لام الأمر ويكون المعنى ليكفروا على التهديد . كما قال تعالى : * ( اعملوا ما شئتم ) * ( فصلت : 40 ) وكما قال : * ( اعملوا على مكانتكم إني عامل